50 مليار و”الله أعلم”… الصندوق الذي ابتلعته التنمية ولم تترك أثراً

ضربة قلم
في بلد يُقال فيه إن “الطريق إلى الجحيم معبّد بالنوايا الحسنة”، لا شيء يثير الريبة أكثر من صندوق اسمه “صندوق تنمية العالم القروي”. اسم جذاب، نبيل، تقطر منه رائحة التضامن والعدالة المجالية… لكن يبدو أن من استنشق رائحته عن قرب، اختنق بشبهات الفساد.
من 2017 إلى 2023، تم صرف ما يُناهز 50 مليار درهم من هذا الصندوق، أي ما يكفي لبناء قارة صغيرة أو تسقيف الجبال بالألياف البصرية، ومع ذلك لا يزال الفلاح في دوار “تامزيرت” يعبّ الماء من غدير تعشّش فيه الضفادع، والطريق المعبدة الوحيدة في قريته هي المسافة بين باب مقر الجماعة والمقهى المجاور.
الصندوق: من تمويل الأمل إلى صكوك الغموض
من المفترض أن هذا الصندوق جُعل لتحقيق تنمية متوازنة، ورد الاعتبار للمغرب العميق، وربط الجبل بالوادي، والقروي بالحضري. لكن، وعلى ما يبدو، تم ربط الأموال بحسابات ضبابية، وربما أيضا ربط “الخُبْز” ببعض الجيوب المنتفخة، ممن يحسبون التنمية نزهةً في دفاتر الصفقات.
لنتخيّل جلسة تقييم للصندوق:
– كم عدد المدارس التي بُنيت؟
– كم من مستشفى مجهز؟
– كم من طريق معبدة؟
الجواب: ”كاين شي حاجة، ولكن خاصنا نديرو تقييم شمولي مندمج في إطار الحكامة الرشيدة”…
ترجمة الجواب؟: “نحن نشتغل بكل شفافية، ولكن لا تسألونا عن التفاصيل، فهذه معلومات معقدة ومُرمّزة في Excel خاص بالمندوبية”…
الحكومة: تفاعل بطعم “الإسفنجة”
بعد الضجة، خرجت بعض الجهات الحكومية لتؤكد “تتبعها للوضع” و”حرصها على الشفافية”. ردّ كلاسيكي يصلح لأي فضيحة مغربية: “نحن نأخذ الأمر على محمل الجد”. والمضحك أن من يقول ذلك، في الغالب، هو نفس الشخص الذي وقّع على صرف تلك الأموال أو أشرف على تتبعها.
أين هي تقارير المفتشيات؟ أين هو قضاء جدي ومستقل يبحث في من أكل ماذا وأين خبّأ الفائض؟ لا جواب. فقط صمت رسمي قد يُفسَّر يومًا على أنه تواطؤ أو على الأقل، جبن مؤسساتي.
من المسؤول؟
لا أحد طبعًا. فكما جرت العادة في المغرب، المال العام يُسرق بلا لِصّ، والمشاريع تفشل بلا فاشل، والخرائط تُرسم بأقلامٍ لا توقّع، بل تمحو!
الوزارات تتبادل الاتهامات، والجهات تلوم المجالس، والمجالس تُحيل الملف إلى الوالي، والوالي ينظر في الأفق… حتى يُنسى كل شيء في زحمة موسم الصيف أو حملة الانتخابات المقبلة.
نهاية غير سعيدة… لكنها مألوفة
النتيجة: العالم القروي ما زال على حاله. أطفال يدرسون في أقسام مهترئة، نساء يلدن في سيارات “بيكوب”، وشباب يهاجرون من القرى نحو المجهول.
أما الـ50 مليار، فهي الآن جزء من قصة مغربية طويلة اسمها: “المال العام في بلاد العفو عند كل صرف مشبوه.”




