الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

500 حاسوب للجمعيات و«كرتونة» للمتقاعد.. هل غادر بريد بنك دوره المالي ليدخل مبكراً إلى الحملة الانتخابية؟

ضربة قلم

بداية، يحق للرأي العام البريدي، بل ومن واجب كل غيور على المال العام، أن يتساءل رئيس الإدارة الجماعية لبريد بنك: بأي سند قانوني أو أخلاقي تم تكليف مدير قطب المعلوميات بجمع ما يقارب 500 حاسوب متكامل، من أجل توزيعها على جمعيات؟ ومن هي هذه الجمعيات؟ وما هي المعايير التي تم اعتمادها لاختيارها؟ وهل يتعلق الأمر بجمعيات ذات منفعة عامة معروفة وذات أثر اجتماعي حقيقي، أم أننا أمام جمعيات “محظوظة” تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، وتفتح لها الأبواب حين تغلق في وجه الآخرين؟

والأهم من كل ذلك، لماذا يأتي هذا التحرك بالضبط في هذا الظرف السياسي الحساس، ونحن على بعد أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية؟ أليس من حق المواطنين والموظفين أن يطرحوا علامات استفهام كبرى، خاصة وأن رئيس الإدارة الجماعية ينتمي إلى حزب سياسي سيخوض غمار هذه الانتخابات؟ ففي دولة المؤسسات، لا يكفي أن تكون النوايا حسنة، بل ينبغي أيضاً تجنب كل ما من شأنه، أن يخلق شبهة توظيف الوسائل والإمكانيات العمومية لأغراض، قد تفسر سياسياً أو انتخابياً.

إن المسؤول العمومي الحقيقي، لا يكتفي بالحديث عن قيم المواطنة والتضامن، بل يحرص على أن تكون كل مبادرة شفافة، موثقة، ومعلنة للرأي العام. فالأجهزة الإلكترونية التي تم اقتناؤها أو تجميعها داخل مؤسسة عمومية، ليست ملكاً خاصاً لأحد، ولا يمكن أن تتحول إلى هدايا، توزع في ظروف غامضة دون الكشف عن المستفيدين، وعن القيمة المالية لهذه العملية، وعن الأساس القانوني الذي يؤطرها.

والأولى والأجدر بهذه الإدارة، أن تلتفت إلى بيتها الداخلي قبل أن تبحث عن أدوار “المحسن الكبير” خارج أسوار المؤسسة.

فقد جرت العادة خلال السنوات الأخيرة، أن تتسابق إدارة بريد بنك، التابعة لمجموعة بريد المغرب، ضد الزمن لتنظيم حفلات تكريم للبريديين المحالين على التقاعد. حفلات تلتقط فيها الصور التذكارية، وتلقى خلالها كلمات منمقة عن الوفاء والعرفان، بينما يختزل التكريم في شهادة تقدير وكرتونة أنيقة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

أي تكريم هذا الذي يقدم لموظف قضى عشرات السنين في خدمة المؤسسة، ثم يجد نفسه بعد التقاعد يطارد حقوقه الإدارية والمالية؟ وأي اعتراف بالجميل هذا الذي يجعل المتقاعد، ينتظر أشهراً طويلة من أجل تسوية وضعيته لدى صناديق التقاعد بسبب تأخر المؤسسة في أداء المساهمات المستحقة؟

إن التقدير الحقيقي لا يكون بالتصفيق والورود والصور الجماعية، بل يبدأ باحترام حقوق العاملين. يبدأ بضمان انتقال الموظف إلى التقاعد في ظروف تحفظ كرامته، وتجنب أسرته القلق والضياع. يبدأ بتسوية الملفات العالقة، لا بإضافة ملف جديد عنوانه “انتظر قليلاً… فالإدارة منشغلة بحفل تكريمك”.

ثم ماذا عن التأخيرات المتكررة في تمكين الموظفين من عطلهم السنوية؟ وماذا عن غياب أي تعويض مادي عن هذا الحرمان؟ وماذا عن التراجع المثير للاستغراب في منح المردودية خلال السنوات الأخيرة؟ أليس هذا كله نوعاً من التراجع الاجتماعي الذي يضرب القدرة الشرائية للشغيلة البريدية في الصميم؟

والأدهى من ذلك أن الموظف، بمجرد إحالته على التقاعد، يصبح وكأنه لم يكن يوماً جزءاً من هذه المؤسسة. تنقطع عنه معظم الخدمات الاجتماعية، ويجد نفسه خارج دائرة الاهتمام، بعد أن أفنى سنوات عمره في خدمة المؤسسة وزبنائها.

فإذا كانت الإدارة تملك فائضاً من السخاء، يسمح لها بتوزيع مئات الحواسيب على جمعيات مجهولة الهوية بالنسبة للرأي العام، فلماذا لا تمتد هذه الروح الكريمة إلى أبنائها الذين خدموها بإخلاص؟ لماذا لا يوجه جزء من هذا السخاء، نحو تحسين الخدمات الاجتماعية للمتقاعدين، أو الرفع من منح المردودية، أو معالجة الملفات العالقة التي تؤرق الموظفين؟

إن المؤسسات الكبرى، لا تقاس بعدد الحفلات التي تنظمها ولا بعدد الصور التي تنشرها، وإنما تقاس بمدى احترامها لمستخدميها، أحياء ومتقاعدين، وبقدرتها على تكريس العدالة والشفافية داخل بيتها قبل البحث عن الأضواء خارجه.

والأغرب من كل ذلك أن البريدي، بمجرد إحالته على التقاعد، يتحول فجأة إلى شخص غير مرغوب فيه داخل المؤسسة، وكأنه لم يكن يوماً جزءاً من أسرتها المهنية، ولم يقض سنوات من عمره في خدمة مرافقها وزبنائها. تنقطع عنه الخدمات الاجتماعية، وتغلق في وجهه الأبواب، ولا يبقى له من “الاعتراف بالجميل” سوى شهادة كرتونية تحمل بعض التذكارات، ومحلات وخدمات “اجتماعية” لا يقبلها الفأر ولا تغني من جوع.

لذلك، يبدو أن المستفيدين الحقيقيين من حفلات التكريم هذه ليسوا أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المؤسسة، بل أولئك الذين يعرفون جيداً من أين تؤكل الكتف، ويجيدون فن التموقع بالقرب من دوائر القرار، وعقد الصفقات المشبوهة، ونسج العلاقات مع أصحاب الفنادق المصنفة وموائدها العامرة. أما البريدي المتقاعد، الذي قضى سنوات عمره في خدمة المؤسسة، فلا ينال في نهاية المطاف سوى تصفيق عابر، وصورة تذكارية، وشهادة تقدير داخل “كرتونة” أنيقة… ثم يُطلب منه أن يغادر المشهد في صمت، وكأن سنوات عطائه لم تكن سوى تفصيل عابر في ذاكرة المؤسسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.